وباء كورونا فايروس وإعادة تعريف روح التعاون التضامني

وباء كورونا فايروس وإعادة تعريف روح التعاون التضامني

منصور بن مسلّم، الأمين العام المنتخب لمنظّمة التعاون التعليمي

أوقع فايروس كورونا، هذا العدو الخفي، العالمَ أجمع، في الشمال كما الجنوب، في حالة من الاضطراب، وستستمرّ التداعيات الاقتصاديّة والاجتماعيّة-النفسيّة الناجمة عن الأزمة التي ولّدها إلى فترة تتجاوز اختفائه، ولا شكّ في أنّ العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل تفشّي فايروس كورونا ستتمّ ببطء، ولا يسعنا أن ننتظر مكتوفي الأيدي تغيّرًا سريعًا في مجتمعاتنا. فالمستقبل غير مكتوبٍ مسبقًا، ويعوّل، بالتالي، على استعدادنا الجماعي لرسم معالمه، أو على السماح له بتحديد مصيرنا. 

وإن زعم البعض استحالة التوقّع في الماضي لما سيحصل في العام ٢٠٢٠، وللاضطرار أكثر من ١،٥ مليار طالب على البقاء محجورين في منازلهم بسبب تفشّي فيروس ما، أكّد الخبراء في جميع أنحاء العالم مرارًا وتكرارًا أنّه كان من الوارد ترقّب هذه الأزمة.  إلّا أنّ النظام الاقتصادي السائد، والقصير النظر، والحاد التقلّب، والموجّه نحو تحقيق الأرباح القصيرة الأجل، لم يترك للمجتمعات أي حيّز يسمح لها بمعالجة الحالات الاجتماعيّة الطارئة. وفي هذا الوقت تمامًا، يقطع نفس المحلّلين واللاعبين الدوليّين الذين نهشوا، باسم الأداء الاقتصادي، الأموال العامّة المشتركة على مدى السنين، وعودًا بحلول عالميّة جديدة. ولكنّ تحدّياتنا العالميّة الراهنة لا تتطلّب أي علاج علامي، إنّما رؤية مشتركة مدعومة بالسياسات السياقيّة من جهة، وقائمة على آليّة دوليّة وتضامنيّة للتعاون والتنسيق من جهة أخرى.

وقد أظهر وباء كورونا فايروس الانقسامات الاقتصاديّة والاجتماعيّة بين المجتمعات وضمنها، لا بل فاقمها، إلّا أنّه ليس من ولّدها. ففي واقع الأمر، قد يشكّل القول إنّ الوصفات السياسيّة المتفرّجة التي وضعتها المؤسّسات الدوليّة قد أجّجت هذه الأزمة، حجّة دفاع أقوى. وفي ساعة شنّنا حربًا مطلقة لاحتواء الفايروس والحدّ من تبعاته، يتوجّب علينا التمتّع بجدّيّة إزاء اكتساب الدروس التي لقّنتها هذه الأزمة، وذلك إذا أردنا حقًّا أن نعيد بناء أنظمتنا الدوليّة والوطنيّة، عوضًا عن الاكتفاء بمحاكاتها.

فمع افتقار الأنظمة الصحيّة لطاقم العمل والتمويل، وعدم قدرة ١٥٤ مليون شخص بلا مأوى على حجر أنفسهم، وحالة المهنيّين ذي الدخل المحدود الذين إن حجروا، خلصت أرواحهم وتهدّدت لقمة عيشهم، وقبوع ١،٥ مليار طالب في جميع أنحاء العالم بعيدًا عن قاعات الدراسة وعدم قدرتهم على الوصول إلى منصّات التعلّم الالكتروني بشكل متساو، لم تعد أوجه الظلم التي تنهك المجتمعات مسألة أخلاقيّة فحسب، بل باتت تهديدًا لمستقبلنا المشترك. وقد أطلقت مبادرات متعدّدة من أجل الحد من تداعيات هذه الأزمة وتتضمّن إعادة توظيف العاملين في مجال الرعاية الصحّيّة المتقاعدين، وتوفير مساحات آمنة للحجر الصحي، وتعليق إجراءات سقوط الحق والطرد، وتعهّد عمالقة التكنولوجيا بتوفير المعدّات والبرمجيّات الحاسوبيّة من غير توخّي الربح. ورغم ضرورة اتخاذ هذا النوع من التدابير، فهي تبقى غير كافية. ومن أجل تحقيق فوز كاسح بوجه أي أزمة مشابهة للوباء الراهن، يجدر بنا التحلّي بإرادة صلبة لضمان زوال أوجه الظلم المرصودة.

ولذلك، يتمثّل واجبنا بحماية الحق بالوصول إلى خدمات الرعاية الصحّيّة ذات الجودة، والعالميّة، والمجانيّة، وتكريس السكن الكريم والميسور التكلفة كحق غير قابل للتصرف، وضمان الأمن المادّي وغير المادّي للشعوب، وحماية الحق بالعطلة المدفوعة والإجازة المرضيّة المدفوعة الأجر، وسدّ الفجوة التكنولوجيّة والرقميّة. ويستدعي ذلك تضافر لم يسبق له مثيل للموارد الفكريّة والبشريّة والتقنيّة والماليّة، وأن تنتقل مبادراتنا من تكرار المبادئ المبتذلة إلى الحلول البديلة الحقيقيّة والفعالة. ولن يتحقّق الوصول إلى خدمات الرعاية الصحّيّة العالميّة والمجّانيّة، والمسكن الكريم والميسور التكلفة، طالما نتاجر بكلّ منهما عوضًا عن الاستثمار فيهما واعتبارهما املاكًا عامّة ومشتركة يجب حمايتها. ولن يتحقّق أي من الأمن المادّي وغير المادّي، والأجور اللائقة، وقوانين العمل ذات الطابع الاجتماعي دون نظام عالمي يكرّس كرامة الإنسان ويساهم في تنفيذ السياسات الاجتماعيّة والتقدّميّة والانسانيّة والمتكاملة. ولن تسدّ الفجوة التكنولوجيّة والرقميّة من خلال الارتكاز إلى التكنولوجيّات المستوردة والمكلفة التي غالبًا ما لا تتناسب مع السياق الوطني والمحلّي، أو من خلال الارتهان الوطني التقني للشركات الخاصّة المتعدّدة الجنسيات عندما تتبرّع بهذه التكنولوجيّات. وبالتالي، يجدر تعزيز التكنولوجيات المحلّيّة والمطوّرة من قبل السكان المحلّيين الفعالة من حيث التكلفة، والمستدامة، والمناسبة من حيث السياق، على أن تبرز القدرة الابداعيّة التي تتمتّع بها المجتمعات فتحفّز الاقتصادات الوطنيّة.

وفي عالم تبلغ فيه العائدات المحصّلة من قبل ٦،٩ مليار نسمة أقل من نصف الثروات التي جمّعها الأفراد الأكثر ثراء ونسبتهم ١٪ من سكّان المعمورة، وفي وقت تتخطّى فيه القيمة الرأسماليّة في سوق الأسهم لشركة واحدة مثل شركة أبل (Apple Inc) قيمة إجمالي الناتج المحلّي في اقتصادات كاملة – بما فيها تلك الخاصّة ببعض دول عالم الشمال مثل هولندا، وسويسرا، وبلجيكا، والسويد –، لا تبدو صلاحيّة هذا النوع من التدابير مستبعدة أكثر مما تبدو استدامة الوضع الحالي عبثيّة. ولكن يستدعي تحقيقها منصّات دوليّة للتعاون التضامني التي تعمل كأدوات محفّزة للتنمية المستدامة والمزدهرة والمنصفة، والشاملة لمختلف وجهات النظر الخاصّة بأغلبيّة سكّان العالم، وأولويّاتهم، وحاجاتهم.

فإذا استمرّ النهج المتعدّد الأطراف الظرفي وانعدام التضامن العالمي بحكم النظام العالمي الذي يبدو أكثر انشغالًا بضمان استمراريّته من تحقيق تطلّعاتنا الجماعيّة، لن يكون وباء كورونا فايروس سوى لمحة عن الأزمات المستقبليّة. ومن غير المرجّح أن يستطيع الذين عزّزوا مثل هذا النظام الدولي إعادة تحديد ملامحه وذلك بغض النظر عن نيّتهم. فنماذج التنمية الآتية من الشمال قد فشلت، ولذلك، حان الوقت للتشكيك في القرائن التي تطبع مؤسّساتنا الدوليّة ولرسم سبيل جديد للتنمية ينبع من الجنوب ويتمتّع بالإنصاف والشموليّة.

ومن هذا المنطلق، اجتمعت بلدان من أفريقيا، والعالم العربي، وآسيا، وأمريكا اللاتينيّة، وجزر المحيط الهادئ، وأنشأت منظّمة التعاون التعليمي من أجل “المساهمة في تحقيق التحول الاجتماعي العادل والمنصف والمزدهر، وذلك من خلال تعزيز التعليم المتوازن والشامل، سعيًا منها إلى تأمين الحقوق الأساسية لشعوب العالم بأسره، منها الحرية والعدل والكرامة والاستدامة والتماسك الاجتماعي والأمن المادي وغير المادي”. وبالتالي، فإنّ منظّمة التعاون التعليمي ليست بمنظّمة دوليّة للتعليم حصرًا، إنّما هي منظّمة دوليّة تسعى لتحقيق التنمية من خلال التعليم، إذ إن التنمية الحقيقيّة لا تحصر، وقدرة التعليم التغييريّة لا ترسّخ إلّا عندما يتغيّر مفهوم التعليم بحد ذاته.

وهذا الإطار الاستباقي للتعاون المتعدّد الأطراف الذي نسعى لإرسائه يضع هواجس البلدان والشعوب وتطلّعاتهم في صلب السياسات الدوليّة وفي طليعة الجهود المبذولة لتحقيق التنمية، محترمًا بذلك الأوليّات الوطنيّة، والتوقّعات المحلّيّة، والسياقات الاجتماعية والثقافيّة، ومتكيّفًا معها. فوباء كورونا فايروس هو في الوقت عينه مأساة واختبار يواجهه العالم في إدارة الأزمات. وهو أيضًا تذكيرٌ بضرورة تجديد روح التضامن الدولي الحقيقي والنهج المتعدّد الأطراف وإعادة رسم ملامحهما في القرن الحادي والعشرين. وباتت الظروف مؤاتية لنشوء آليّات ابتكاريّة ومنصّات دوليّة جديدة، لا تسعى فقط إلى الحفاظ على السلام، بل أكثر من ذلك، إلى تحقيق العدالة التي تثمر بالسلام.

وإذ نتمتّع بشعور بالواجب، وباندفاع تضامني، وبعزم صلب، بتنا اليوم أمام مسؤوليّة تاريخيّة لنصغي لما تشكّله هذه الأزمة من تحذير، ولنوفّر لأنفسنا وسائل رسم ملامح المستقبل الذي نطمح له ونستحقّه بصورة جماعيّة.